ابن بطوطة

214

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

أصحابه فرسه فسقط إلى الأرض ورمى إبراهيم بنفسه عليه فقبضه وجاء أصحاب الوزير ليأخذوه فمنعهم وقال : لا أتركه حتّى أوصله للوزير أو أموت دون ذلك ، فتركوه فأوصله إلى الوزير . وكنت أنظر عند الصبح إلى الفيلة والأعلام يؤتى بها إلى السلطان ثمّ جاءني بعض العراقيّين فقال : قد قبض على عين الملك ، وأوتي به الوزير ، فلم أصدقه فلم يمرّ الّا يسير وجاءني الملك تمور الشربدار فأخذ بيدي وقال : أبشر فقد قبض على عين الملك وهو عند الوزير فتحرّك السلطان عند ذلك ونحن معه إلى محلّة عين الملك على نهر الكنك فنهبت العساكر ما فيها ، واقتحم كثير من عسكر عين الملك النهر فغرقوا ، وأخذ داود بن قطب الملك وابن ملك التجار وخلق كثير معهم ، ونهبت الأموال والخيل والأمتعة . ونزل السلطان على المجاز وجاء الوزير بعين الملك ، وقد أركب على ثور وهو عريان « 48 » مستور العورة بخرقة مربوطة بحبل وباقيه في عنقه ، فوقف على باب السراجة ، ودخل الوزير إلى السلطان فأعطاه الشّربة عناية به ، وجاء أبناء الملوك إلى عين الملك فجعلوا يسبّونه ويبصقون في وجهه ويصفعون أصحابه ، وبعث إليه السلطان الملك الكبير فقال له : ما هذا الذي فعلت ؟ فلم يجد جوابا ، فأمر به السلطان أن يكسى ثوبا من ثياب الزّمّالة ! وقيّد بأربعة كبول ، وغلّت يداه إلى عنقه وسلّم للوزير ليحفظه ، وجاز إخوته النهر هاربين ووصلوا مدينة عوض ، فأخذوا أهلهم وأولادهم وما قدروا عليه من المال وقالوا لزوجة أخيهم عين الملك : اخلصي بنفسك وبنيك معنا ! فقالت : أفلا أكون كنساء الكفّار اللّائي يحرقن أنفسهنّ مع أزواجهنّ ؟ فأنا أيضا أموت لموت زوجي وأعيش لعيشه ! فتركوها . وبلغ ذلك السلطان فكان سبب خيرها وأدركته لها رقّة ، وأدرك الفتى سهيل نصر الله من أولئك الاخوة فقتله ، وأتى السلطان برأسه وأتى بأم عين الملك وأخته وامرأته فسلّمن إلى الوزير وجعلن في خباء بقرب خباء عين الملك ، فكان يدخل إليهنّ ويجلس معهنّ ويعود إلى محبسه ! ولمّا كان بعد العصر من يوم الهزيمة أمر السلطان بسراح لفيف الناس الذين مع عين الملك من الزّمالة والسوقة والعبيد ومن لا يعبأ به ، وأتي بملك إبراهيم البنجيّ الذي ذكرناه فقال ملك العسكر الملك نوا : ياخوندا عالم اقتل هذا ، فانّه من المخالفين ، فقال الوزير إنّه قد فدا نفسه بالقائم فعفى عنه السلطان وسرّحه إلى بلاده .

--> ( 48 ) يذكّرني هذا في قول المتنبي : من قصيدة أجاب بها سيف الدولة في ميافارقين بذي الحجة 353 ه - ومن ركب الثور بعد الجوا * د أنكر اظلافه والغبب ! !